ملا محمد مهدي النراقي
12
جامع السعادات
وأهمل صفات القلب ، وربما تفقد صفات القلب وأخلاق النفس أيضا ، وجاهد نفسه في التبري عنها ، وقلع من قلبه منابتها الجلية القوية ، ولكن بقيت في زوايا قلبه خفايا من مكائد الشيطان ، وخبايا وتلبيسات النفس ما دق وغمض مدركه فلا يتفطن بها . وجميع هؤلاء غافلون مغرورون ، إذا كان اعتقادهم أنهم على خير وسعادة ، وأن كان بينهم تفاوت من حيث الضعف والشدة ، إذ سعادة النفس وخلاصها من العذاب لا تحصل إلا بمعرفة الله - تعالى - ومعرفة صفاته وأفعاله وأحواله النشأة الآخرة ، والعمل برذائل الأخلاق وشرائفها ، ثم تهذيب الباطن بفضائل الأخلاق وعمارة الظاهر بصوالح الطاعات والأعمال ، فكل من يعلم بعض العلوم وترك ما هو المهم من العلم - أعني معرفة سلوك الطريق وقطع عقبات النفس التي هي الصفات المذمومة المانعة عن الوصول إلى الله - وظن أنه على خير كان مغرورا ، إذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن الله ، فمن ترك العلم المهم واشتغل بغيره ، فهو كمن له مرض خاص مهلك فاحتاج إلى تعلم الدواء واستعماله ، فأشتغل بتعلم مرض آخر يضاد مرضه في المعالجة ، كما أن من أحكم العلوم بأسرها وترك العمل ، مثل المريض الذي تعلم دواء مرضه وكتبه ، وهو يقرأه ويعلمه المرضى ولا يستعمله قط لنفسه ، فإنه لا ريب في أن مجرد تعلم الدواء لا يشفيه ، بل لو كتب منه ألف نسخة وعلمه ألف مريض حتى شفي جميعهم وكرره كل ليلة ألف مرة لم ينفعه ذلك من مرضه شيئا ، حتى يشتري هذا الدواء ويشربه كما تعلم في وقته ، ومع شربه واستعماله يكون على خطر من شفائه ، فكيف إذا لم يشربه أصلا ، فلو ظن أن مجرد تعلم الدواء يكفيه ويشفيه فهو مغرور ، فكذلك من أحكم علم الطاعات ولم يعملها ، وأحكم علم المعاصي ولم يجتنبها ، وأحكم علم الأخلاق ولم يزل نفسه عن رذائلها ولم يتصف بفضائلها ، فهو في غاية الغرور ، إذ قال الله تعالى : ( قد أفلح من زكاها ) ( 25 )
--> ( 25 ) الشمس الآية : 9